أحمد بن محمد المقري التلمساني
92
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وإسلامه إليه ، لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز بملك الأندلس . فلمّا زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر بن غازي بساحة البلد الجديد ، فهزمه السلطان ، ولازمه بالحصار ، أوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه . فلمّا استولى السلطان على البلد أقام أياما ، ثم أغره سليمان بن داود بالقبض على ابن الخطيب ، فقبضوا عليه ، وأودعوه السجن ، وطيّروا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر . وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لما كان سليمان قد بايعه السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس متى أعاده اللّه تعالى إلى ملكه ، فلمّا استقرّ إليه سلطانه أجاز إليه سليمان سفيرا عن الوزير عمر بن عبد اللّه ومقتضيا عهده من السلطان ، فصدّه الوزير ابن الخطيب عن ذلك ، محتجّا بأنّ تلك الرياسة إنما هي لأعياص « 1 » الملك من بني عبد الحق ؛ لأنهم يعسوب زناتة ، فرجع سليمان ، وأثار حقد ذلك لابن الخطيب . ثم جاوز الأندلس لمحلّ إمارته من جبل الفتح ، فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات ينفث كلّ واحد منهما لصاحبه بما يحفظه ممّا كمن في صدورهما « 2 » . وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب إلى السلطان ابن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب ، وهو أبو عبد اللّه بن زمرك ، فقدم على السلطان أبي العباس ، وأحضر ابن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة ، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه في المحبة ، فعظم النكير فيها ، فوبخ ونكل ، وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ ، ثم نقل « 3 » إلى محبسه . واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجّلة عليه ، وأفتى بعض الفقهاء فيه ، ودسّ سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله ، فطرقوا السجن ليلا ، ومعهم زعانفة جاؤوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر ، وقتلوه خنقا في محبسه ، وأخرج شلوه من الغد ، فدفن بمقبرة باب المحروق . ثم أصبح من الغد على مسافة « 4 » قبره طريحا ، وقد جمعت له أعواد ، وأضرمت عليه نار ، فاحترق شعره ، واسودّ بشره ، فأعيد إلى حفرته ، وكان في ذلك انتهاء محنته . وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان ، واعتدّوها من هناته ، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته ، واللّه الفعال لما يريد . [ أبيات للسان الدين قالها وهو سجين ] وكان - عفا اللّه تعالى عنه ! - أيام امتحانه بالسجن يتوقّع مصيبة الموت فتجهش هواتفه بالشعر يبكي نفسه . وممّا قال في ذلك رحمه اللّه تعالى : [ المتقارب ]
--> ( 1 ) في ج « لأعياض » بالضاد المعجمة . ( 2 ) يحفظه : يغضبه ، وكمن : استتر وخفي . ( 3 ) في ب « تلّ إلى محبسه » . ( 4 ) في ب « على سافة قبره » .